اخبار مصر

egypt news

مقالات

عن التخطيط؛ والتخبيط .. عن قصة “مسجدنا”

حاتم أبو الخير

من منا لم يتخيل نفسه فى منصب كبير؟؟، أو تمنى أن يكون مسئولاً فى جهة ضخمة؟؟، أو صاحب قرار فى مكان ما؟؟

من منا لم يتخيل نفسه أنه حينما يكون القرار بيده سيفعل هذا، ويطور هذه، ويبيد ذلك، ولن يفعل تلك؟؟

الجميع فعل ذلك .. وهو حق مشروع لا خلاف ولا جدال فى ذلك، ولكن؛ يجب أن تعلم يا عزيزى أن ذلك لن يحدث بالأحلام والخيالات، فالوصول لذلك يتطلب أن يعلم الجميع ويوقن أنك تمتلك الموهبة – ليست موهبة الأحلام بالطبع – الكبيرة التى تمكنك من الإدارة والقيادة، فحينها فقط يحق لك أن تحلم كيفما تشاء.

ولعل أهم مايجب أن يميزك كى تحتل منصباً كبيراً وتصبح مسئولاً ذا شأن، هو أن يكون لديك القدرة على التخطيط المستقبلى، فمن مقومات النجاح – الحق – أن يكون له خطط واضحة ومواعيد محددة، فلا يمكنك أن تحتفل بنجاحك وتدعو أصدقائك وأقاربك لاحتساء نخب الانتصار، رغم تحقيقه بعد موعده المفترض، فحينها لا يعد النجاح نجاحاً كاملاً.

أما النجاح الكامل فهو الذى تم بناءاً على خطة، وُضِعَ بها الأهداف المطلوب تحقيقها، وبجانبها وضعت خريطة زمنية لتلك الأهداف، وحين يتحقق النجاح عن طريق ذلك “التخطيط” فهو مايسمى بالنجاح الكامل.

لذلك فكل تأخير عن الخارطة الزمنية يقلل من قيمة النجاح، وعلى العكس؛ فكل تقليل للوقت اللازم لتحقيق النجاح يضخم من حجم الإنجاز، وما كان ليتم ذلك لولا التخطيط” السليم.

سأقص عليك عزيزى قصة طريفة لتعلم أهمية التخطيط، منذ مايقرب من عام كامل انتقلت للإقامة فى إحدى المدن الجديدة، وكان هناك مسجد وحيد قريب من السكن، تفضلت الحكومة وجهاز المدينة – شاكرين – بتخصيص قطعة الأرض اللازمة، ووضعت أساساته، وبعض لوازمه التى تسمح بالصلاة – فى ظروف قاهرة – ، ثم اختفى الجميع، وأصبح المسجد غير مكتمل البناء، فى حين كنت – كغيرى من الجيران أستقل السيارة لكى أصلى صلاة الجمعة فى أقرب مسجد.

ولكن قبل بداية شهر رمضان العام الماضى، أعلن البعض من الجيران رغبتهم فى إتمام بناء المسجد، وأن البناء سيتم بكامل تكاليفه عن طريق السكان، وأنه إذا لم نكن على قدر الحدث؛ فلابد من الاعتراض الآن، وبالطبع لم يعترض أحد، بل تحمس الجميع، فتم اختيار عدد من السادة كبار السن “المتفرغين” و “المتبرعين” و “المتحصصين” لكى يتولوا زمام الأمور المالية، وأعلنوا أنهم سيقوموا بخوض التجربة لمدة شهر واحد، لكى يروا هل ستتوافق النقود المتاحة مع الخطة التى ستوضع أم لا؟؟.

بعد شهر واحد، أعلن المسئولين أن الخزين المالى أصبح بدرجة جيد جداً، وقاموا بوضع خطة تناقش فيها – علناً – من أراد، وأقرها من وثق فيهم، وكان مفادها أن يبدأ العمل بالمسجد على مراحل، وأولويات، فالمسجد كان عبارة عن بناء حجرى له سقف، وعلى شكل مسجد؛ ودون مئذنة .. فقط.

لذا؛ تم الإعلان عن بدء العمل، وكان العمل يتم بكل وضوح، ويُطـْرَح البند الذى سيبدأ العمل فيه، لكى يتقدم كل من له خبرة فى طريقة العمل؛ أو تنفيذه؛ أو تعديله؛ أو مكان الشراء؛ أو حتى متوسط الأسعار، كما تولى بعض المتواجدين القيام ببعض التوريدات، وتنفيذ بعض الأعمال، كما لا يمكننى نسيان بعض من أدلوا بالمشورة فى عمليات الشراء؛ لاسيما فى ظل الارتفاع الجنونى للأسعار خلال العام المنصرم.

بعد عدة أسابيع أصبح بإمكاننا أن نصلى صلاة الجمعة فى المسجد، وفى كل صلاة جمعة جديدة كان لا بد أن نجد الجديد، الرخام .. السجاد .. النوافذ .. مصابيح الإضاءة .. إنارة المسجد .. المنبر .. مقاعد كبار السن .. الأبواب .. مدخل المسجد .. المئذنة .. دونما تذكر لترتيب ماسبق.

وكلما اقترب المسجد من الانتهاء، ولأن الجميع يرى الناتج أمامه مباشرة، فلا يبخل بشىء فى سبيل إتمام ذلك النجاح، مادياً كان أم معنوياً، أو حتى بالجهد أو الوقت، أصبح الجميع يتعامل وكأن ذلك هدف أسمى لنا جميعاً، واقترب المشوار من نهايته، فقد تحدد منذ البداية عام واحد لذلك الإنجاز، وأن صلاة التراويح فى رمضان القادم سنصليها معاً فى “مسجدنا” الجديد، وهاقد تحقق الحلم وتم افتتاح المسجد بالأمس.

فما أعظمها من صلاة، وما أروعه من إنجاز، وما أجمله من نجاح كامل، تحول إلى تفوق؛ حين تتحقق الإنجاز فى ميعاده، على الرغم من الظروف الصعبة التى كانت تحيط بالعمل.

فلعلنا جميعاً نتعظ من هذه القصة التى كان لى شرف حضور معظم أجزائها، والتى ستجعلنى فخوراً – على الرغم من قلة مشاركتى – طوال عمرى بما حدث.

ألا ليت شعرى كل من يتولى عملاً يبتعد عن “التخبيط”، ويتقن فيه “التخطيط”، ويقتدى من قصة “مسجدنا”.